لمحة تاريخية لبلدة برطعة

في احضان الطبيعة وبين تلال وجبال الخطاف الخضراء شمال غرب جنين ، وعلى تخوم الحكاية بين الارض والذاكرة ، ولدت بلدة برطعه لتكون شاهدا حيا على تعاقب الزمن وتحولاته .

تروي الحكايات ان برطعه لم تكن يوما مجرد بقعة جغرافية ، بل كانت ممرا للناس والتجار ، وملتقى للثقافات التي عبرت بين الساحل والداخل . على مر العصور ، تعاقبت عليها الحضارات ، فتركت من ترابها بصمات من التاريخ ، وفي حجارتها صدى خطوات من مروا من هنا .

كبرت البلدة شيئا فشيئا ، ومع كل جيل كانت تتجدد الحكاية ، بيوتها القديمة  المبنية من الحجر ، ما زالت تهمس بقصص الاجداد الذين عاشوا ببساطة الارض ،وزرعوا الزيتون ،ونسجوا من تعبهم حياة تليق بالصبر والانتماء .لم تكن الحياة سهله ، لكنها كانت صادقة ، تشبه وجوه اهلها .

ومع التحولات السياسية التي شهدتها المنطقة ، وتحديدا بعد عام 1948 وجدت برطعه نفسها مقسمة الى شطرين ، يفصل ببنهما واقع جديد ، لكنه لم يستطع ان يقسم الروح الواحدة . بقيت العائلات مترابطة تتشارك الافراح والاحزان وكأن الحدود لم تكن سوى خط على الورق .

وفي السنوات الاخيرة ومع التغيرات التي فرضها الجدار الفاصل( جدار الفصل العنصري ) واجهت برطعه تحديات جديدة ، لكنها اثبت قدرتها على التكيف والصمود وتحولت الى مركز تجاري حيوي يعج بالحركة والتجارة دون ان تفقد هويتها او دفء علاقاتها الاجتماعية .

هكذا تبقى برطعه قصة مكان لا يروى بالتواريخ فقط ، بل يحكى بالناس ، بالذاكرة ، وبكل حجر فيها يحمل سراً  من اسرار الماضي ، ونبضاً من امل المستقبل .

تعد قرية برطعة من القرى الفلسطينية ذات التاريخ القديم ، حيث تعود جذورها الى عصور تاريخية بعيدة ، ويعتقد ان موقعها كان مأهولاً منذ العهد الروماني او قبله نظراً لموقعها الجغرافي المميز.

سبب التسمية والنشأة:


يعود اسم بَرْطَعَة، بالفتح وسكون الراء ويُحتمل أن يكون الاسم تحريفًا عن كلمة «بارتا» السريانية، بمعنى نعجة، وقد تكون مشتقة من «Perta» السريانية أيضًا، بمعنى الخصب. عُرفت القرية بعدة أسماء منها واد المي والحنانة ورأس العين. يروي سكان القرية أن تسمية برطعه نسبةً للشيخ محمد البرطعاوي وهو أحد رجال صلاح الدين الأيوبي الذي كان يحارب معه واستقر في مكان مرتفع بالقرية يُسمَّى خربة برطعه، ليرصد تحركات الصليبيين على الساحل، وعند انتصار الجيوش الإسلامية كان ينزل إلى السهل في برطعه جيئا وذهابًا من نشوة النصر وشدة الفرح، فدرج الناس على القول برطعَ الشيخ.

اشتهرت برطعه عبر التاريخ بالزراعة وخاصة زراعة الزيتون والحبوب وتربية الماشية حيث كانت الأراضي الخصبة المحيطة بها مصدر رزق اساسي لسكانها ، وكما عرف اهلها بالتمسك بالعادات والتقاليد الريفية الأصلية .

الموقع الجغرافي : تقع  قرية برطعه الى  الشمال الغربي من مدينة جنين، وتبعد عنها حوالي 30 كيلو متراً، وعن بلدة يعبد عشرة كيلو مترات، يحدها من الجهة الجنوبية بلدة قفين وظهر العبد، ومن الجهة الشمالية قريتي عاره وعرعره داخل الخط الأخضر، ومن الجهة الشرقية خربة عبدالله اليونس وقرية أم الريحان، ومن الجهة الغربية قرية برطعة الغربية وقرية أم القطف داخل الخط الأخضر ، وتبعد عن البحر المتوسط خمسة عشر كيلو متراً ، يبلغ عدد سكانها  الحالي قرابة 8000 نسمة .

برطعه ( عبر التاريخ ):

يوجد لبرطعه اسمين إضافيين وهما : << عين الميه >> نسبه الى عين برطعه  و << الحنانة >> نسبة الى بركة الماء التي اقيمت وسط برطعه وفي مصب قناة الماء باسم الحنانة . برطعه وعين الميه ، 

معظم القرى العربية بنيت بالقرب من عين ماء ، لكونها مصدرا للشرب لهم ولمواشيهم، ومن هذه القرى التي بنيت قرب عين ماء قريه برطعه ، كانت منطقتنا التي تعرف بالخطاف كثيفة بالأشجار من جميع الانواع كالخروب والسريس والبلوط وكان من الصعب السير بداخلها وامتد سكن حمولة الكبها من يعبد حتى وادي عارة ، حيث خرجوا من يعبد واقاموا عزبا على الهضاب وقرب عيون الماء ان وجدت ، واعتاش معظمهم على تربية المواشي والزراعة، وقرى الكبها بالإضافة إلى يعبد حيث كانت مسكنهم، أُقيمت فيها طورة وأم دار وبرطعة وعين السهلة وخور صقر والعريان وأم القطف وبعض العزب الصغيرة هنا وهناك  ويُقال إنه في منتصف القرن التاسع عشر وتحديدًا حوالي سنة 1840 لاحظ أحد الرعاة بقايا ماء على فم عنزة من قطيعه، فتبعها في منطقة متشابكة بالعليق، واكتشف منبع ماء صغير، ومن هنا بدأت الحكاية، حكاية تأسيس قرية برطعة بفضل اكتشاف العين، عاد ذلك الراعي إلى أهله، فجاؤوا ونظفوا المكان، وأقاموا أول “عزبة” قرب العين، وهي كما ذكرت نواة القرية ولحسن حظ السكان، وليقوى بناء تجمع القرية، حصلت عائلة الكبها على أراضٍ في جبال الخطاف، حيث أُقيمت قراهم خارج يعبد. وقد حصلوا على قسم من الأرض من عائلة عبد الهادي مقابل دعمهم لهم في حرب الصفوف، أما القسم الآخر فاشتروه من عائلات أخرى، وكان بيت جدي الحاج أحمد إبراهيم كبها من أوائل البيوت والأقرب إلى العين، وكان ذلك حوالي سنة 1850، وسأكتب عنه مقالًا منفصلًا وكما ذكرت كانت العين محاطة بغابات كثيفة، تم قطع قسم منها، خاصة القريب من العين، وتعرض الباقي للقطع على مرحلتين: الأولى في أواخر العصر التركي لبناء خط سكة القطار الحجازية التي مرت بالقرب من جنين، والثانية على يد لاجئي القرى الفلسطينية الذين هُجّروا من قراهم في أواخر أربعينيات القرن العشرين، لصناعة الفحم الذي كان يعمل به بعض سكان الكبها واستطاع الانتداب الإنجليزي الحفاظ على ما يُعرف اليوم بغابة أم الريحان (العمرة) ونعود للحديث عن عين ماء برطعة تقع عين الماء في منخفض تحيط به المرتفعات من الجهات الأربع، ضمن مساحة صغيرة لا تتجاوز بضعة دونمات، لكنها حملت في طياتها تاريخ برطعة من الغرب يمتد وادي الميّه الذي يتصل بوادي ميسر (وادي المربط)، وهو الوادي الذي أصبح لاحقًا حدًا سياسيًا يفصل بين برطعة الشرقية (تحت الحكم الأردني) و برطعة الغربية (تحت الحكم الإسرائيلي) .

بقلم : رياض قبها / برطعه .

برطعه بين الأعوام 1949-1967م

برزت برطعه في العصر الحديث بعد انقسامها الى قسمين بعد حرب 1948 ، واشتهرت بكونها ((القرية المشطورة )) التي قسمها خط الهدنة عام 1949 (الخط الاخضر )الى شطرين : غربي يقع تحت سيطرة الاحتلال الاسرائيلي وشرقي تابع لإدارة المملكة الاردنية الهاشمية عام 1952 خلال اتفاقية رودس حيث كانت برطعه مقسمة بين الاردن واسرائيل و بعد احتلال الضفة الغربية  من قبل الجيش الاسرائيلي  سيطرت اسرائيل  على القرية بأكملها وتم توحيدها، غير أن سكان الجزء الأردني سابقًا احتفظوا بجنسيتهم الأردنية وكانوا خاضعين للحكم العسكري المفروض على  الضفة الغربية  وفقد هؤلاء السكان علاقتهم بالأردن أثر إعلان الملك فك ارتباط المملكة الاردنية الهاشمية  عام 1988م. وبين الأعوام 1952 -1967 منع السكان بين شطري  القرية من التواصل والتلاقي فنشأ مجتمعان متمايزان، حيث قسم نبع المياه و أقيمت مدارس ومساجد تخصّ كل شطر من شطري القرية تتبع أنظمة مختلفة، في الشطر الشرقي كان هناك تواصل مع الوطن العربي والأردن تحديدًا، أما الشطر الغربي فخضع للحكم العسكري الإسرائيلي وذلك بين الأعوام (1952-1967) على أثر حرب عام 1967 حرب النكسة، أُزال المنع بين الشطرين فأصبحت الحياة الاجتماعيّة تدريجيا تعود إلى ما كانت عليه عبر الزيجات المختلطة بين الشطرين وظل النظام السياسيّ على حاله، الشطر الشرقيّ خاضع للحكم العسكري الإسرائيليّ  لكن بعد اوسلو1993 اصبح يتبع لإدارة السلطة الوطنية الفلسطينية ، أما الشطر الغربي فهو خاضع للحكم الإسرائيليّ  بما يعرف بمجلس بسمة الاقليمي التابع لإدارة الاحتلال الاسرائيلي في الداخل المحتل علما انه  لا فاصل ولا جدار بين الشطرين.

لكن الشطر الشرقي اصبح معزول عن الضفة الغربية في عام 2003 بفعل حاجز عسكري تديره شركة أمنية او ما يعرف بجدار الفصل العنصري ، كما شهدت برطعه في السنوات الاخيرة تطورا ملحوظاً في المجالات العمرانية والاقتصادية و اصبحت مركزاً تجارياً مهماً في المنطقة ، وذلك بسبب موقعها القريب من الخط الفاصل ووقوعها داخل جدار الفصل العنصري  ، مما جعلها نقطة جذب لتجار من اهلنا من الضفة الغربية من جهة والزوار  والمتسوقين من الداخل المحتل من جهة اخرى  واصبح الدخول لها بحاجة الى تصريح دخول واذن مسبق من سلطات الاحتلال .